علي بن محمد البغدادي الماوردي

320

أدب الدنيا والدين

لأمزح « 1 » ولا أقول إلّا حقا » فمن مزاحه صلّى اللّه عليه وسلّم ما روي أن عجوزا من الأنصار أتته فقالت يا رسول اللّه أدع لي بالمغفرة فقال : أما علمت أن الجنة لا يدخلها العجائز فصرخت فتبسم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقال : أما قرأت من القرآن قول اللّه عز وجل إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً عُرُباً « 2 » أَتْراباً « 3 » وأتته أخرى في حاجة لزوجها فقال لها : ومن زوجك فقالت : فلان فقال لها : الذي في عينه بياض فقالت لا فقال بلى فانصرفت عجلى إلى زوجها وجعلت تتأمل عينيه فقال لها : ما شأنك فقالت : أخبرني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن في عينيك بياضا فقال : أما ترين بياض عينيّ أكثر من سوادهما . وسئل الشعبي عن أكل لحم « 4 » الشيطان فقال : نحن نرضى منه بالكفاف وقيل له : ما اسم امرأة إبليس لعنه اللّه فقال : ذلك نكاح ما شهدناه وقال رجل لغلام : بكم تعمل معي قال : بطعامي فقال له : أحسن قليلا قال : فأصوم الاثنين والخميس . وقد كان أبو هريرة رضي اللّه عنه مسترسلا في مزاحه . وروى ابن قتيبة في المعارف أن مروان ربما كان يستخلفه على المدينة فيركب حمارا قد شدّ عليه برذعة « 5 » فيسير فيلقى الرجل فيقول : الطريق قد جاء الأمير وربما أتى الصبيان وهم يلعبون لعبة الأعراب فلا يشعرون حتى يلقى نفسه بينهم ويضرب برجله فيفزع الصبيان فينفرون وهذا خروج عن القدر المستسمح به ويوشك أن يكون لهذا الفعل منه تأويل سائغ . وقد كان صهيب « 6 » بن سنان مزاحا فقال له النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : أتأكل تمرا وبك رمد فقال يا رسول اللّه إنما أمضغ على الناحية الأخرى وإنما استجاز صهيب أن يعرض لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالمزح في جوابه لأن استخباره صلّى اللّه عليه وسلم قد كان يتضمن المزح

--> ( 1 ) إني لأمزح : رواه الترمذي عن ابن عباس . ( 2 ) عربا : جمع عروب ، وهي المتحببة إلى زوجها . ( 3 ) أترابا : مستويات في السن . ( 4 ) في اللحم : في الصغائر . ( 5 ) برذعة : هي الجهل واللبد الذي يوضع تحت السرج لوقايته من العرق . ( 6 ) صهيب بن سنان : أبو يحيى من قدماء الصحابة والسابقين في الاسلام ، كان أبوه وعمه في خدمة كسرى ولذا أسر في أيدي الروم ونشأ بينهم فنسي العربية وتكلم لكنة الرومية ويتلفظ الحاء هاء ، ولذا لقب بالرومي توفي بالمدينة سنة 38 .